ابن عربي
449
مجموعه رسائل ابن عربي
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثم بيّن بقوله : وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ « 1 » . إن ذلك هو الذي وعدهم به ، في قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 2 » لأنهم يكونون في الدرك الأسفل « 3 » ، والذين اتقوا في الغرف ، ولذلك حق لهم أن يتحسروا على ما فرطوا في جنب اللّه ، وهو صحبة رسوله ( ص ) ، ومتابعته ، حتى يسعدوا به ، وبصحبته كما سعد به المتقون من اتباعه ، واهتدوا باتباعه ، وفي ذلك اليوم تظهر لهم حقيقة سخريتهم في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً إلى قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ « 4 » . تبصرة : إذا تقرر لك بهذا أن الجنب جنبان : جنب حسي ، وجنب معنوي حقيقي ، فكذلك الصاحب بالجنب ، صاحبان : صاحب في السفر الحسي الجنبي ، وصاحب في السفر الغيبي القلبي . وبذلك فافهم السر في قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً إلى قوله : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ « 5 » فإن تنزلت ، فاعتبر قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ « 6 » الآية . وإن ترقيت فاعتبر قوله تعالى عن رسوله : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى « 7 » ثم اعتبر قول الرسول ( ص ) في سفره « 8 » : « اللّهم أنت الصاحب في السفر ،
--> ( 1 ) سورة الزمر ؛ الآية : 20 . ( 2 ) سورة البقرة ؛ الآية : 212 . ( 3 ) يعني من النار ، نعوذ باللّه منها . ( 4 ) سورة محمد ؛ الآية : 16 . ( 5 ) سورة النساء ؛ الآية : 36 . ( 6 ) سورة النساء ؛ الآية : 69 . ( 7 ) سورة النجم ؛ الآية : 2 . ( 8 ) روى مسلم في صحيحه في باب « ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره » عن ابن عمر ( رضي اللّه عنهما ) : « أن رسول اللّه ( ص ) ، كان إذا أستوى على بعيره ، خارجا إلى سفر : كبر ثلاثا ، ثم قال : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ . اللّهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى . اللّهم هون علينا سفرنا هذا ، وأطوعنا بعده .